ابن حزم

398

الاحكام

وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلا ، إذا كان على الوجه الذي ذكرناه . قال علي : والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) * ، وقال تعالى : * ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) * فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالا إلا بينه ، وأخبر أن إبليس كان من الجن ، وقد حمل التهور قوما راموا نصر مذهبهم ههنا فقالوا : إن الملائكة يسمون جنا لاجتنانهم . قال علي : وهذا قول فاحش من وجوه ، أحدها وأوضحها قول الله عز وجل إذ سأل الملائكة : * ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) * فقالت الملائكة : * ( سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) * ففرق تعالى بين الملائكة والجن فرقا كما ترى ، والوجه الثاني إخباره عليه السلام : إن الملائكة خلقت من نور والجن خلقت من نار ، ففرق بين النوعين فرقا من خالفه كفر . حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، عن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم . والثالث إجماع الأمة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيا فقد كفر ، فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد ، وكان أقصى ما احتج له القائلون به أن قالوا : الاجتنان هو الاستتار ، ومن ذلك يسمى المجن مجنا ، والجنة جنة ، فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن . قال علي : وهذا هذيان لبعض أهل اللغة ، وفي كل قوم جنون ، فلو أن عاكسا عكس عليهم فقال : ما اشتقا الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن ، بماذا كانوا ينفصلون ؟ وأيضا فيقال لهم حتى لو صح قولكم : إن الجن اشتقوا من الاجتنان فمن أي شئ اشتق الاجتنان ؟ فإن جروا هكذا إلى غير غاية ، وهذا يوجب أشياء موجودات لا أوائل لها ، ولا نهاية لعددها ، وهذا محال ممتنع ، وموافقة أهل الكفر ، وإن قالوا : ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق ، قيل لهم : فما الذي